أصل التسمية:يعود أصل تسمية غسل الأموال إلى عصابات المافيا الشهيرة في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث تم القبض على زعيم هذه العصابات آل كابون في سنة 1931م بالتهمة الوحيدة التي أمكن إثباتها عليه وهي تهمة التهرب من دفع الضرائب والاتجار بالمخدرات.بعد هذه الواقعة تنبهت عصابات المافيا إلى أهمية أن تظهر الأموال غير المشروعة بمظهر مشروع، لذلك فقد اتجهت هذه العصابات لتأسيس أو لشراء أعمال مشروعة تستخدمها لتمرر من خلالها الأرباح الهائلة المتولدة من العمليات الإجرامية التي تقوم بها وكان مجال تأسيس وشراء محلات الغسيل الآلية أو مؤسسات التنظيف من أهم الأنشطة لتنظيف الأموال المشبوهة.ومن ذلك التاريخ أطلق على العمليات الإجرامية التي تقوم بها المؤسسات الإجرامية لإخفاء مصدر الأموال غير المشروعة وتحويلها إلى أموال تظهر أنها مشروعة تسمية غسل الأموال. مراحل غسل الأموال:تمر عمليات غسل الأموال بثلاث مراحل هي:1- التغطية: وتعني خلط الأموال المتحصلة من طرق غير مشروعة بأموال متحصلة من طرق مشروعة، سواء في صورة إيداعات بالبنوك أو شراء سندات حكومية أو نقد أجنبي أو ذهب أو مجوهرات أو أية أصول أخرى تتمتع بالحماية القانونية.2- التمويه: وتعني فصل حصيلة الأموال غير المشروعة عن مصدرها من خلال مجموعة من العمليات المالية، وبمعنى آخر يتم تمويه طبيعة هذه الأموال عن طريق التحويلات الداخلية والخارجية أو العمليات المصرفية الأخرى بحيث يبدو من الصعوبة بمكان الاهتداء إلى مصدر الأموال غير المشروعة.3- الدمج: حيث يعاد ضخ الأموال التي تم غسلها في الاقتصاد مرة أخرى كأموال عادية وسليمة،، لا يشوبها شيء في الظاهر أثناء التداول في الدورة الاقتصادية، ولا تثير الريبة فيمن يتداولها، ولا يتطرق الشك إلى مصدرها، وتتمتع بالمظهر القانوني. مصدر الأموال المشبوهة:الأموال المشبوهة تلك الناتجة عن أعمال مصدرها غير مشروع ونشير إلى أهمها على سبيل المثال وليس الحصر فيما يلي:- تجارة المخدرات.- تجارة الأسلحة غير المشروعة.- التهريب بمختلف أنواعه.- اختلاس المال العام.- التعدي والاستيلاء على عقارات عامة.- تزييف النقود.- تزوير الأسناد العامة والمحررات الرسمية.- الإرهاب بكافة صوره.- التقطع والاختطاف.- السرقة.- خيانة الأمانة.- الاستيلاء على الأموال الخاصة.- النصب والاحتيال.- الرشوة.- إساءة استعمال السلة واستغلال النفوذ، وهدر المال العام.- الإثراء غير المشروع. الآثار الاقتصادية لغسل الأموال: تؤثر عملية غسل الأموال على أداء مجمل مكونات الاقتصاد الكلي خاصة إذا ما واكبها وجود اقتصاد خفي يتضمن أنشطة اقتصادية غير مشروعة، ويمكن تلخيص ذلك فيما يلي:· عدم سعي القائمين على عمليات غسل الأموال للحصول على عائد مرتفع لأموالهم التي يريدون غسلها، ولكنهم يسعون فقط إلى مجرد استثمارات تمكنهم من إضفاء صفة الشرعية على أموالهم ليتمكنوا من المجاهرة علناً بمصدرها.· قيام غاسلي الأموال لغسل أموالهم في البلدان النامية التي ما زالت وسائل الرقابة فيها ضعيفة والقوانين والتشريعات المتعلقة بالأموال يمكن اختراقها بسهولة، لذلك يقومون بتحويل هذه الأموال إلى تلك البلدان التي بها معدلات فائدة قليلة وأسعار صرف مستقرة، مما يؤدي إلى وجود مؤشرات اقتصادية مضللة خاصة ما يتعلق بمعدلات الفائدة وأسعار الصرف والمالية العامة.كما أن انتقال هذه الأموال في ظل العولمة من اقتصاد لآخر يمكن أن يؤدي إلى عدم الاستقرار الاقتصادي على المستوى الدولي.· يهدد غسل الأموال الشفافية الدولية والإقليمية والقُطرية في أسواق المال، كما يهدد السمعة الحسنة في أسواق المال ويعلم موظفيها الفساد، مما يخلق مناخاً لوجود أسواق سيئة السمعة وضعيفة المصداقية.· يمكن لغسل الأموال أن يؤدي إلى إعادة توزيع الدخل، إذ يؤدي إلى بروز مستثمرين جدد لهم قدرات كبيرة في مجالي الادخار والاستثمار، والجرأة على ولوج مجالات الاستثمار المحفوفة بالمخاطر، مما ينعكس سلباً على كبار رجال الأعمال والمستثمرين من جهة وعلى النمو الاقتصادي من جهة أخرى.فعلى سبيل المثال في الولايات المتحدة الأمريكية يتمتع قطاع الأعمال الصغيرة بعائد كبير نتيجة التهرب من الضرائب والاستثمار في مجالات تحتوي على مخاطر عالية، هذا بالإضافة على احتمال تفشي الاحتيال والاختلاس في الأسواق والمشروعات المربحة وسريعة النمو، كما تؤثر عمليات غسل الأموال على دخل فئات المجتمع، إذ تتحول دخول الفئات المنتجة التي تحقق دخلاً مشروعاً إلى فئات غير منتجة وتحصل على دخول غير مشروعة مما يزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء ويضاعف الخلل الاجتماعي في البلد المعني.· يؤدي غسل الأموال إلى تعطيل السياسات المالية العامة عن طريق التهرب من دفع الضرائب، مما ينعكس سلباً على ميزان المالية العامة وبالتالي على موارد الحكومة المتاحة لمقابلة التزاماتها، وعلى أدائها الاقتصادي والاجتماعي.· يمكن للمعاملات القانونية الناتجة عن غسل الأموال أن تضر بالمعاملات القانونية عن طريق العدوى، فمثلاً تصبح بعض المعاملات التي تشمل مشاركين أجانب، رغم أنها قانونية تماماً، أقل جاذبية بسبب ارتباطها بغسل الأموال.وبصفة عامة فإن الثقة تقل في الأسواق وكذلك تقل كفاءة دور الأرباح بسبب انتشار جرائم خبراء البورصة والغش والاختلاس، بالإضافة إلى الاستهتار بالقانون ينتقل بالعدوى، إذ أن خرق أحد القوانين يجعل من السهل خرق القوانين الأخرى.· وعلى العموم يمكن القول أن الحركة المالية الناتجة عن غسل الأموال تؤي من الناحية الاقتصادية إلى الآثار التالية:- تغير الطلب على النقود بحيث لا يستجيب للمؤشرات الاقتصادية الكلية.- تغيرات غير محسوبة في أسعار الصرف وأسعار الفائدة.- منافسة غير متكافئة في عمليات الاستثمار، حيث أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة.- إعادة توزيع الدخل.- تخفيض قيمة العملة الوطنية، حيث تم تحويل العملة المحلية الناتجة عن أموال غير مشروعة إلى نقد أجنبي، ذهب، مجوهرات، عقارات، تحف فنية وغيرها.- المساهمة في إحداث ضغوط تضخمية في اقتصاد الدولة.- إرباك الدولة في وضع خطط وبرامج فعالة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.- توسيع دائرة الفساد، وتشجيع الإرهاب. المبادئ والمعايير الدولية والجهود الهادفة لمكافحة غسل الأموال:مما لاشك فيه، أن عمليات غسل الأموال تشكل تهديداً لاستقرار النظام المالي والمصرفي في الدول المعنية بهذه الظاهرة بوجه خاص، ولاستقرار النظام المالي والمصرفي العالمي بوجه عام، فكفاءة المؤسسات المالية والمصرفية ونجاحها يتوقف بشكل كبير على السمعة والمصداقية والثقة التي تكتسبها هذه المؤسسات على مدار سنوات طويلة من النشاط، ويؤدي تورطها في عمليات غسل أموال، إلى تعرضها لمخاطر فقدان الثقة والسمعة، وبالتالي إحجام العملاء والمستثمرين عن التعامل معها مما قد يعرضها إلى أزمات قد تمتد لتشمل النظام المالي والمصرفي – والاقتصاد الوطني ككل وقدرته على جذب التدفقات المالية والاستثمارات الخارجية.ونظراً لخطورة عمليات غسل الأموال، وما ينتج عنها من آثار سلبية على النظام المالي والمصرفي والاقتصاد الوطني فقد تنبهت العديد من الدول لهذه المخاطر في وقت مبكر وسارعت باتخاذ عدد من الإجراءات الهادفة إلى مكافحة غسل الأموال، وشكلت هذه الإجراءات في مجموعها المبادئ والمعايير الدولية التي يقوم عليها جهود مكافحة غسل الأموال وصدرت عن عدد من التجمعات والمنظمات الدولية والمؤسسات المالية والاقتصادية ويأتي في مقدمتها مجموعة العمل المالي الدولية لمكافحة غسل الأموال (الفاتف).وأصبح لزاماً على الدول الأخرى العمل وفق تلك المبادئ والمعايير وتطويع تشريعاتها الوطنية بمقتضاها، وتقيم الدولة كونها متعاونة أو غير متعاونة بمقدار التزامها بتطبيق المبادئ والمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وذلك فالدول والمؤسسات التي يعرف عنها عدم الالتزام بهذه المبادئ والمعايير تواجه خطر تطبيق إجراءات عقابية ستؤدي في أقلها إلى ارتفاع تكلفة المعاملات الاقتصادية والمالية معها، وتعيق كفاءة وسرعة انتقال التدفقات والمدفوعات منها وإليها بالإضافة إلى التبعات السياسية والأخلاقية التي تلقى على هذه الدول أو المؤسسات نتيجة تساهلها في مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.وتتمثل هذه المبادئ والمعايير بمجموعة من المتطلبات الأساسية لجهود مكافحة غسل الأموال، يجب أن تتوافر في كل دولة وتتلخص بالتالي:- وضع إطار قانوني شامل، ينظم جهود مكافحة غسل الأموال، وتجريم عمليات غسل الأموال وتحديد العقوبات المناسبة لها وينظم كذلك التعاون الدولي وتبادل المعلومات.- اتخاذ الإطار المؤسسي المتمثل في لجنة مكافحة غسل الأموال ووحدة جمع المعلومات (الاستخبارات المالية).- إصدار التعليمات لكافة المؤسسات المالية والمصرفية بقصد توضيح طرق التعامل مع قضايا عمليات غسل الأموال وإيجاد نظام داخلي يسمح بالرقابة على الأموال المشبوهة.وقد حرصت الجمهورية اليمنية على مجاراة الجهود الدولية لمكافحة غسل الأموال، وبما يتماشى مع المبادئ والمعايير الدولية، وبادرت الحكومات في معظم الدول العربية بسن التشريعات، وإصدار القوانين المتعلقة بمكافحة غسل الأموال، بالإضافة إلى توجيه المؤسسات المالية والمصرفية باتخاذ التدابير اللازمة لحمايتها من احتمالات تعرضها للأنشطة غير المشروعة. الجهود الوطنية لمكافحة الإرهاب وغسل الأموال نظراً للتلازم بين الأمن والاستقرار وعملية التنمية، حيث لا توجد تنمية بدن أمن ولا نمو بلا استقرار، فاستتباب الأمن يشكل الدعامة الأساسية للاستقرار، والاستقرار يمثل أحد عوامل جذب التدفقات المالية والاستثمارات الخارجية. والإرهاب مصدر من مصادر غسل الأموال وهما متلازمان ويمثلان وجهين لعملة واحدة.لذلك تولي الحكومة اليمنية جل اهتمامها لمكافحة الإرهاب وغسل الأموال، واتخذت بهذا الصدد العديد من التدابير والإجراءات من بينها:1- قرار مجلس الوزراء رقم (28) لعام 2000م بشأن الموافقة على انضمام اليمن إلى الاتفاقية الدولية لقمع وتمويل الإرهاب.2- قرار مجلس الوزراء رقم (62) لعام 2000م بشأن الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب وتضمن القرار تشكيل لجنة من وزارة الشئون القانونية، العدل، الخارجية، الداخلية، الجهاز المركزي للأمن السياسي، وأضيف لاحقاً إلى اللجنة البنك المركزي اليمني، ورئيس لجنة مكافحة غسل الأموال.تتولى هذه اللجنة دراسة الاتفاقيات الدولية لقمع تمويل الإرهاب وتقديم الآراء والملاحظات بشأنها بالإضافة إلى إعداد الردود على أسئلة واستفسارات المنظمات الدولية حول مكافحة الإرهاب وغسل الأموال.3- قرار مجلس الوزراء رقم (96) لعام 2002م بشأن الموافقة على مشروع قانون مكافحة غسل الأموال.4- بناء على موافقة مجلس الوزراء بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم (1373) بتجميد أرصدة الأشخاص والمنظمات التي تمول الإرهاب أصدر البنك المركزي منشور يتضمن قائمتين: الأولى بعدد (16 منظمة) والثانية بعدد (62 شخصاً ومنظمة)، وأصدر البنك المركزي توجيهاته بتجميد أي أرصدة للمذكورين لدى المصارف وفروعها في اليمن. أصدرت اللجنة بعد تشكيلها المنشور رقم (1) موجه إلى كافة البنوك العاملة في الجمهورية اليمنية تضمن توخي الحيطة والحذر في عملياتها المصرفية اليومية والعمل على التحري عن العمليات المالية التي تجريها البنوك مع عملاءها والتحقق من هويات الزبائن وعناوينهم وحفظ صور من وثائقهم الرسمية، كما تضمن التعميم على وحدة جمع المعلومات في البنك المركزي بالتأكد من أن لدى المؤسسات المالية وخاصة البنوك برامج للوقاية من غسل الأموال، ومساعدة المؤسسات المالية على وضع نظم وضوابط للتدقيق والرقابة الداخلية تحول دون وقوع غسل الأموال. وقد توجت الجهود الوطنية لمكافحة الإرهاب وغسل الأموال بإصدار القانون رقم (35) لسنة 2003م بشأن مكافحة غسل الأموال (1)، الذي تضمن ضوابط عديدة تتماشى مع المبادئ والمعايير الدولية المتمثلة في التوصيات الأربعون الصادرة عن مجموعة العمل المالي (الفاتف) ومبادئ لجنة بازل التي تتمحور حول الرقابة المصرفية الفعالة، ومنع استخدام البنوك لأغراض غسل الأموال تأسيساً على مبدأ اعرف عميلك، إحفظ نقودك، أحفظ سجلاتك.وعند إعداد مشروع القانون تم الأخذ في الاعتبار متطلبات المبادئ والمعايير الدولية التي حددت مجموعة من المقومات الأساسية لجهود مكافحة غسل الأموال ويتعين تواجدها في كل دولة وتتلخص بوضع إطار قانوني ينظم جهود مكافحة غسل الأموال وإنشاء الإطار المؤسسي لذلك. ووقف مجلس النواب في عدة جلسات أمام المشروع وتمت مناقشته بحضور الجانب الحكومي، وتقرر إعادته مرتين إلى اللجنة المالية، وتم التصويت عليه في آخر دور للانعقاد للمجلس في شهر أبريل 2003م بعد إجراء التعديلات والحذف لكثير من مواد المشروع. وقد حرص المشرع اليمني على الموائمة بين متطلبات المبادئ والمعايير الدولية، وموجبات القوانين الوطنية.. لذلك فقد صدر القانون متضمناً قواعد متوازنة، فهو من جهة يستجيب للمتطلبات الدولية بدرجة معقولة، فقد جرم عمليات غسل الأموال، وحدد العقوبات المناسبة لها، ورتب التزامات على المؤسسات المالية، وخول السلطة للجهات القضائية بالحجز والمصادرة للأموال موضوع غسل الأموال، ومن جهة أخرى أخذ في الاعتبار الخصوصية اليمنية، واعتبر صناعة وتجارة الخمور، والاختطاف والتقطع من مصادر الأموال غير المشروعة، إضافة إلى الضوابط الأخرى التي نص عليها القانون وتتعلق بتبادل المعلومات وتسليم المجرمين.
إقرأ المزيد:
|